الشيخ الطبرسي

378

تفسير مجمع البيان

( إذ قال ربك للملائكة ) بالظاهر أن ( إذ ) يتعلق بقوله ( يختصمون ) ، وإن اعترض بينهما كلام ( إني خالق بشرا من طين ) يعني آدم ( فإذا سويته ) أي : فإذا سويت خلق هذا البشر ، وتممت أعضاءه ، وصورته ( ونفخت فيه من روحي ) أي : أحييته وجعلت فيه الروح ، وأضاف الروح إلى نفسه تشريفا له . ومعنى نفخت فيه أي : توليت فعله من غير سبب وواسطة ، كالولادة المؤدية إلى ذلك ، فإن الله شرف آدم ، وكرمه بهذه الحالة . ( فقعوا له ساجدين ) أي : فاسجدوا له أجمعين . وفي الكلام حذف ، والتقدير : ثم إن الله تعالى خلق ذلك البشر الذي وعدهم بخلقه . ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ) مفسر في سورة البقرة ( قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) هذا سؤال توبيخ وتعريف للملائكة أنه لا عذر له في الامتناع عن السجود . ومعنى قوله ( لما خلقت بيدي ) توليت خلقه بنفسي من غير واسطة ، عن الجبائي ، ومثله ( مما عملت أيدينا ) . وذكر اليدين لتحقيق الإضافة لخلقه إلى نفسه ، وهو قول مجاهد . ومثله قوله ( ويبقى وجه ربك ) أي : ربك . وقيل : معناه خلقته بقدرتي ، عن أبي مسلم ، وغيره . والعرب كما تطلق لفظ اليد للقدرة والقوة ، فقد تطلق لفظة اليدين قال : تحملت من ذلفاء ما ليس لي به ، * ولا للجبال الراسيات يدان ( 1 ) وقال آخر : أنابغ إنكم لم تبلغونا ، * وما لكم بذلكم يدان وقال عروة بن حزام : فإن تحملي ودي ، وودك تفدحي ، * ومالك بالحمل الثقيل يدان ( 2 ) ( أستكبرت أم كنت من العالين ) أي : أرفعت نفسك فوق قدرك ، وتعظمت عن امتثال أمري ، أم كنت من الذين تعلو أقدارهم عن السجود ، فتعاليت عنه . ( قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) فضل النار على الطين ( قال فأخرج منها ) أي : من الجنة ( فإنك رجيم ) أي : طريد مبعد ( وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال ) إبليس عند ذلك ( رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ) أي : أخرني إلى يوم

--> ( 1 ) يصف شدة ما تحمله من عشق محبوبته ذلفاء . ( 2 ) فدحه الامر والحمل : أثقله .